سعيد حوي
2068
الأساس في التفسير
يتجاوزه إلى الهداية والدعوة إليه . . باسمه . وَبِهِ يَعْدِلُونَ . . فيتجاوزون معرفة الحق والهداية به إلى تحقيق هذا الحق في حياة الناس والحكم به بينهم تحقيقا للعدل الذي لا يقوم إلا بالحكم بهذا الحق . . فما جاء هذا الحق ليكون مجرد علم يعرف ويدرس . ولا مجرد وعظ يهدى به ويعرف ! إنما جاء هذا الحق ليحكم أمر الناس كله . يحكم تصوراتهم الاعتقادية فيصححها ويقيمها على وفقه . ويحكم شعائرهم التعبدية فيجعلها ترجمة عنه في صلة العبد بربه . ويحكم حياتهم الواقعية فيقيم نظامها وأوضاعها وفق منهجه ومبادئه ، ويقضي فيها بشريعته وقوانينه المستمدة من هذه الشريعة ، ويحكم عاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم وسلوكهم فيقيمها كلها على التصورات الصحيحة المستمدة منه . ويحكم مناهج تفكيرهم وعلومهم وثقافاتهم كلها ويضبطها بموازينه . . . وبهذا كله يوجد هذا الحق في حياة الناس ، ويقوم العدل الذي لا يقوم إلا بهذا الحق . . وهذا ما تزاوله تلك الأمة بعد التعريف بالحق والهداية به . . إن طبيعة هذا الدين واضحة لا تحتمل التلبيس . صلبة لا تقبل التمييع . والذين يلحدون في هذا الدين يجدون مشقة في تحويله عن طبيعته هذه الواضحة الصلبة . . وهم من أجل ذلك يوجهون إليه جهودا لا تكل وحملات لا تنقطع ويستخدمون في تحريفه عن وجهته وفي تمييع طبيعته ، كل الوسائل وكل الأجهزة وكل التجارب . . هم يسحقون سحقا وحشيا كل طلائع البعث والحيوية الصلبة الصامدة في كل مكان على وجه الأرض ، عن طريق الأوضاع التي يقيمونها ويكفلونها في كل بقاع الأرض ، وهم يسلطون المحترفين من علماء هذا الدين عليه ، يحرفون الكلم عن مواضعه ، ويحلون ما حرم الله ، ويميعون ما شرعه ، ويباركون الفجور والفاحشة ، ويرفعون عليها رايات الدين وعناوينه ، وهم يزحلقون المخدوعين في الحضارات المادية المأخوذين بنظرياتها وأوضاعها ليحاولوا زحلقة الإسلام في التشبه بهذه النظريات وهذه الأوضاع ، ورفع شعاراتها أو الاقتباس من نظرياتها وشرائعها ومناهجها ، وهم يصورون الإسلام الذي يحكم الحياة حادثا تاريخيا مضى ولا يمكن إعادته ، ويشيدون بعظمة هذا الماضي ليخدروا مشاعر المسلمين ثم ليقولوا لهم - في ظل هذا التخدير - إن الإسلام اليوم يجب أن يعيش في نفوس أهله عقيدة وعبادة لا شريعة ونظاما ، وحسبه وحسبهم ذلك المجد التاريخي القديم هذا وإلا فإن على هذا الدين أن « يتطور » فيصبح محكوما بواقع البشر يبصم لهم على كل ما يقدمونه له من تصورات وقوانين ، وهم يضعون للأوضاع التي يقيمونها في العالم - الذي كان